الشيخ محمد الصادقي

539

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

12 - وذلك يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ إيمانيا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ أماما وَبِأَيْمانِهِمْ " يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا " ( 66 : 8 ) حيث انقلب إيمانهم وعملهم نورا يسعى بسعيهم هنا ، فيقال لهم بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ف " بَيْنَ أَيْدِيهِمْ " دلالة على الجنة الأمام ، و " بِأَيْمانِهِمْ " إذ عاشوا يمين الحياة ، فهنا هم إلى يمين إذ أوتي كتابهم بأيمانهم ، نور يجمع بين بصر وبصيرة ، لا يبصر إلا لصاحبه قدر سعيه ، أو أن " بَيْنَ أَيْدِيهِمْ " للسابقين و " بِأَيْمانِهِمْ " لأصحاب اليمين " نسخة طبق الأصل ، نورا على نور ، وعلّهما معا معنيّان . 13 - يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ وأضرابهم لِلَّذِينَ آمَنُوا وعملوا الصالحات انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ بين أيدينا وبأيماننا قِيلَ لهم ارْجِعُوا وَراءَكُمْ الدنيا فَالْتَمِسُوا فيها نُوراً تحديا صارخا : " أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ " ( 39 : 27 ) فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ لأصحاب النور وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ لأصحاب النار ، حتى لا يتراءوا كما لم يتنوروا . 14 - يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ في ظاهر الحياة " وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ " ( 64 : 40 ) قالُوا بَلى ولكن خالفتمونا في باطن الحياة : الإيمان وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ عن الحق وَتَرَبَّصْتُمْ في فتنة الحياة الدنيا دون تحسّس عن الحق وَارْتَبْتُمْ في الحق ، شكا كأنه مسنود إلى دليل ، وليس إلا العليل وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ الكاذبة اللاهية حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ بتوفيكم عن هذه الحياة وَ على الجملة غَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ عندما جاء أمر اللّه ، وهو تلاحق غرور النفس وغرور شياطين الجن والإنس . 15 - فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وبديل عن أنفسكم كنور عن المؤمنين ولا سواه وَلا مِنَ سائر الَّذِينَ كَفَرُوا ظاهرا إلى باطن مَأْواكُمُ جميعا النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ في دار القرار ، كما كانت في دار الفرار وَبِئْسَ الْمَصِيرُ في ذلك المسير . 16 - أَ لَمْ يَأْنِ قربا لِلَّذِينَ آمَنُوا باللّه ولمّا تخشع قلوبهم لذكر اللّه أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ دون تناس عنه والتهاء فيما لا يرضى به اللّه وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ من عند اللّه وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ على بعد زمن فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ لذكراهم ، بالفترة الرسولية ، لا الرسالية فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ عن ذكر اللّه وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ عن شرعة اللّه عامدين ، وقليل منهم قاصرون ، مهما لم يخلوا عن تقصير . 17 - وهل إن أرض التكليف ميتة على طول الخط إلى القيامة الكبرى ؟ كلا ! ف اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ هذه الْأَرْضَ مستقبلا بَعْدَ مَوْتِها الشامل لها ، مهما كانت فيها حياة قليلة لمؤمنين قلة ، وهذه زمن القائم بالأمر صاحب العصر محمد بن الحسن العسكري عليهما السلام ، وكما وقعت هذه الآية بين آيات حياة الإيمان ، مهما كانت الحياة الظاهرية مقصودة بضمنها : " أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها " ( 13 : 14 ) " إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ " ( 40 : 51 ) " وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ . وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ " ( 14 : 14 ) قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . 18 - إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ الحق وَالْمُصَّدِّقاتِ وَ الذين أَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً والمقرضات يُضاعَفُ لَهُمْ تصدقهم وإقراضهم وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ أكثر مما يستحقون .